احدث المواضيع

مقالات

الإعراض عن تحكيم الكتاب و السنة

قال الإمام ابن القيم -رحمه الله- :

« لما أعرض الناس عن تحكيم الكتاب والسنة والمحاكمة إليهما ،

واعتقدوا عدم الإكتفاء بهما، وعدلوا إلى الآراء والقياس

والإستحسان وأقوال الشيوخ
؛ عرضَ لهم من ذلك فساد في فِطَرهِم،

وظلمة فى قلوبهم، وكدَرٌ فى أفهامهم، ومَحْقٌ فى عُقُولهم،

وعَمَّتهم هذه الأمور وغَلَبت عليهم؛ حتى رُبِّيَ فيها الصغيرُ،

وهَرِمَ عليها الكبير، فلم يَرَوْها منكرا !

فجاءتهم دولة أخرى قامت فيها البِدَعُ مقام السُّنَنِ، والنفس مقامَ العقل،

والهوى مقامَ الرُّشد، والضلال مقامَ الهدى، والمنكر مقامَ المعروف،

والجهل مقامَ العلم، والرِّياء مقامَ الإخلاص، والباطل مقامَ الحق،

والكذب مقامَ الصدق، والمُداهَنَةُ مقامَ النصيحة، والظلم مقام العدل؛

فصارت الدولة والغلَبَةُ لهذه الأمور، وأهلُها هُم المشارَ اليهم،

وكانت قبل ذلك لاضدادها، وكان أهلها هم المشارَ اليهم ,

▪️ فاذا رأيت دولة هذه الأمور قد أقبلت، وراياتُها قد نُصِبت،

وجيوشُها قد رَكِبَت؛ فبطنُ الأرض والله خير من ظهرها،

وقُلَلُ الجبال خير من السهول، ومخالطةُ الوحشِ أسلمُ من مخالطةِ الناس ».
 
 الفوائد [ صـ65 ] .

------------------------------------------

ســلسِلةُ شــَرحِ اﻷُصُولِ الثَّــﻻَثةِ ▫️العَـــ78ــدَدُ▫️

 ســلسِلةُ شــَرحِ اﻷُصُولِ الثَّــﻻَثةِ
لمعالي شيخنا العﻻمة الدكتور /
صَالِح بنُ فَوزان الفَوزَان -حَـفظهُ الله-
        ▫️العَـــ78ــدَدُ▫️

━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━
[ الأصْـلُ الثَّانِي : مَعْرِفَةُ دِينِ الإسْلَامِ ]

        تَـــعْـــرِيـــفُ الــدِّيـنِ

قَالَ اﻹِمَامُ المُجَدِّد : مُحَمَّد بن عبد الوهَّاب رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَىٰ وَغَفَرَ لَهُ :

[ الأَصْلُ الثَّانِي : مَعْرِفَةُ دِينِ الإسْلَامِ بِالْأَدِلَّـةِ ، وَهُـوَ : الاسْتِسْلَامُ لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ ، وَالانْقِيَادُ لَهُ بِالطَّاعَةِ ، وَالْبَرَاءَةُ مِنَ الـشِّـرْكِ وأهْـلِـهِ ] .
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━
 
 قالَ شَيْخُنَا غَفَـرَ اللَّهُ لَهُ وَأَحْسَـنَ إِلَيْهِ :

▪️ لمَّا فَـرَغَ الشَّيْخُ من بَيَانِ معرفة الأصْلِ الأوَّل ، وهو : مَعْرِفَةُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ بِالأدِلَّةِ ، انتَقَلَ إلىٰ بَيَانِ الأصْلِ الثَّانِي ، وهو :

معرفة دِين الإسلامِ بالأَدِلَّـةِ .
فَقَالَ :

[ الأَصْلُ الثَّانِي : مَعْرِفَةُ دِينِ الإسْلَامِ بِالْأَدِلَّـةِ ]

ثُـمَّ عَـرَّفَهُ وبَيَّنَ معناهُ ،
ثُـمَّ ذَكَـرَ مَـرَاتِـبَـهُ .
 
 وقوله رَحِمَهُ اللَّهُ :[ مَعْرِفَةُ دِينِ الإسْلَامِ ]
 
 الدِّينُ يُرَادُ به الطَّاعَـة ، يُقَالُ : دَانَ لَـهُ ، إذَا أطَاعَهُ فيما أمَـرَ وتَرك ما نَهَىٰ .

▪️ ويُطْلَقُ الدِّين ، ويُرَادُ به الحِسَاب ، كما في قوله :
 
 ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ۝﴾ .

ويقال : دَانَهُ إذا حَاسَبَهُ ، كما قال تعالىٰ :
 
 ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ۝ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ۝﴾ أي : يوم الحِسَاب ،
 
 ﴿ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلّٰهِ ۝﴾ .

▫️ قوله :[ بِالْأَدِلَّـةِ ] أي : أنَّ معرفة دين الإسلام ؛ لا تكون بالتَّـقْـلِيدِ ، أو تكون بالـتَّخَـرُّصِ من عند الإنسان ، الدِّينُ لا بُدَّ لَهُ مِنْ أدِلَّةٍ مِنَ الكِـتَابِ والسُّنَّـةِ ،
 
 أمَّا الإنسان الذي لا يَعْرِف دِينَهُ ، وإنَّمَا يُقَلِّدُ النَّاسَ ، ويكون إِمَّعَة مع النَّاس ، فهذا لَـنْ يَـعْـرِفَ دِينَهُ ، وَحَـرِيٌّ بِهِ أنَّهُ إذا سُئِلَ عنه في القَبْرِ ، أن يقولَ : هَاه ، هاه ، لا أدْرِي ، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ ،

▫️ فوَاجِبٌ علىٰ الإنسان : أن يَـعْـرِفَ دِينَهُ بالأدِلَّةِ ، من كِـتَابِ اللَّه ، وسُنَّةِ رسوله ﷺ ، ولا يَـعْـرِفُ هَــذَا إِلَّا بِـالــتَّــعَــلُّــمِ .

▫️ الإِسْلَامُ مَأْخُـوذٌ مِنْ

➖ أسْلَمَ للشيْءِ ، إذا انقَادَ لَهُ ، 
 أسْلَمَ نَفْسَهُ لِلْـقَـتْـلِ ، أي : خَضَعَ للقتل ،

▪️ فأسلم نفسه للشيء إذا انقاد له .
 
 فالإِسْلَامُ هو :

[ إسْلَامُ الوَجْهِ والقَصْدِ والنِّيَّةِ لَـهُ عَــزَّ وَجَــلَّ ] :
 
 ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّٰهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ﴾
 
 ﴿ بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ ﴾
 
 أي : أخْـلَـصَ عَـمَـلَـهُ لِلَّهِ عَـزَّ وَجَـلَّ ، وانْـقَـادَ لِلَّهِ عَـن طَوَاعِيةٍ ، واخْـتِـيَارٍ ، ورَغْـبَـةٍ ، ومَحَـبَّـةٍ .
 
 الاسْـتِـسْلَامُ لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ ، وَهُـوَ : إفْــرَادُ اللَّهِ جَـلَّ وَعَـلَا بِـالــعِــبَـادَةِ ...
----------------------------------------------

صــفْـــحَـــــة :[ ١٥٦ - ١٥٨ ]
----------------------------------------------

نَكْتفِي بهذا القَدْرِ وَنُكْمِلُ في العَدَدِ القادِمِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ -
          ــــــ ❁ ❁ــــــ❁ ❁ ــــــــ 


ســلسِلةُ شــَرحِ اﻷُصُولِ الثَّــﻻَثةِ ▫️العَــــ77ــدَدُ▫️

 ســلسِلةُ شــَرحِ اﻷُصُولِ الثَّــﻻَثةِ
لمعالي شيخنا العﻻمة الدكتور /
صَالِح بنُ فَوزان الفَوزَان -حَـفظهُ الله-
        ▫️العَــــ77ــدَدُ▫️

----------------------------------------------
[  الــنَّــذْرُ وَدَلِـيلُـهُ  ]
قَالَ اﻹِمَامُ المُجَدِّد : مُحَمَّد بن عبد الوهَّاب رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَىٰ وَغَفَرَ لَهُ :
[ وَدَلِيلُ الـنَّـذْرِ :﴿ يُوفُونَ بِالـنَّـذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا ﴾ ] .
----------------------------------------------
قَالَ شَيْخُنَا غَفَـرَ اللَّهُ لَهُ وَأَحْسَـنَ إِلَيْهِ :
▪️ الــنَّـذْرُ : هُـوَ إلْـزَامُ الإنْسَانِ نَـفْـسَهُ بِشَيْءٍ لَـمْ يَـلْـزَمهُ بأصْـلِ الـشَّـرْعِ ، كأنْ يَـنْـذِرَ أن يَصُومَ ، أو يَـنْـذِرَ أن يَتَصَـدَّقَ بِـكَـذَا .
فَـيَلْـزَمهُ الـوَفَـاء بِـنَـذْرِهِ
؛

لِـقَـوْلِ النَّبِيِّ ﷺ :
« مَـن نَـذَرَ أن يُـطِيعَ اللَّهَ فَـلْـيُـطِـعْـهُ » .

▪️ والـنَّــذْرُ نَـوْعٌ مِـنْ أنْـوَاعِ الـعِـبَـادَةِ ؛ لا يَـجُـوزُ إِلَّا لِلَّـهِ ، فَـمَـنْ نَـذَرَ لِـقَـبْـرٍ ، أوْ صَـنَـمٍ ، أوْ غَـيْـر ذَلِكَ ؛ فَـقَـدْ أشْــرَكَ بِاللَّهِ عَــزَّ وَجَــلَّ ، وَهُـوَ نَــذْرُ مَـعْـصِـيَةٍ وَشَــرْكٍ ،

وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ :« وَمَـن نَـذَرَ أن يَـعْـصِيَ اللَّهَ فَلا يَـعْـصِـه » .
----------------------------------------------
صــفْـــحَـــــة :[ ١٥٤ - ١٥٥ ] .
---------------------------------------------

 نَكْتفِي بهذا القَدْرِ وَنُكْمِلُ في العَدَدِ القادِمِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ -
 ---------------------------------------------
تَـمَّ بفضل اللَّهِ عَـزَّ وَجَـلَّ وتوفيقه الانتهاء من الأصْلِ الْأَوَّلِ ، وهو : مَعْرِفَةُ اللَّهِ عَـزَّ وَجَـلَّ سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ ويَلِيهِ إنْ شَـاءَ اللَّهُ : الأصْـل الثَّانِي ، وهو : مَعْرِفَةُ دِينِ الإسْلامِ بِالأدِلَّـةِ ، والحَمْدُ لِلَّهِ الَّـذِي بِنِعْـمَـتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَات .
---------------------------------------------

 ما فاتكم تجدونه في المدونة:
[مدونة الدين النصيحة]


ســلسِلةُ شــَرحِ اﻷُصُولِ الثَّــﻻَثةِ ▫️العَــ76ــدَدُ▫️

ســلسِلةُ شــَرحِ اﻷُصُولِ الثَّــﻻَثةِ
لمعالي شيخنا العﻻمة الدكتور /
صَالِح بنُ فَوزان الفَوزَان -حَـفظهُ الله-
        ▫️العَــ76ــدَدُ▫️

----------------------------------------------
[  الـذَّبْـحُ أقْسَامُهُ وَدَلِيلُهُ  ]
قَالَ اﻹِمَامُ المُجَدِّد : مُحَمَّد بن عبد الوهَّاب رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَىٰ وَغَفَرَ لَهُ :
[ ودَلِيلُ الذَّبْحِ قوله تعالىٰ :﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ۝﴾ وَمِنَ السُنَّةِ :
« لَـعَـنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِـغَـيْرِ اللَّهِ »
] .
----------------------------------------------
قَالَ شَيْخُنَا غَفَـرَ اللَّهُ لَهُ وَأَحْسَـنَ إِلَيْهِ :

▪️ الـذَّبْـحُ علىٰ أرْبَـعَـةِ أقْـسَامٍ :
 
 الأوَّل : الـذَّبْـحُ عـلىٰ وجْـهِ الـتَّـقَـرُّب والـتَّـعْـظِـيم لأَحَــد مـا ، وهذا لا يَجُوزُ إلَّا للَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالىٰ ؛ 

لأنَّهُ مِنَ الـعِـبَادَاتِ المَالِـيَّة ، فلا يَجُوزُ الذَّبْحُ لِلْجِنِّ ولا للشَّياطِين ولا للمُلُوكِ والرُّؤَسَاء تـعـظِيمًا لهم ؛
لأنَّ هذه عِـبَادَة لا تَجُوزُ إلَّا لِلَّهِ عَـزَّ وَجَـلَّ .

▪️ فالَّـذِينَ يَذْبَـحُـونَ لِلْـجِـنِّ ؛ مِـنْ أجْـلِ الـسَّـلامَـةِ من شَـرِّهِـم ، أوْ مِـنْ أجْـلِ شِفَاء المَـرْضَىٰ ، كما يفعله الكُـهَّان والمُنَجِّمُونَ الَّـذِينَ يَدَّعُونَ الـعِـلَاجَ ويقولونَ للنَّاسِ : اذْبَحُوا كَـذَا لأجْـلِ شِفَاءِ مَـرِيضِكُـم ، ولا تَذْكُرُوا اسْـمَ اللَّهِ عَـليه ،

هَـذَا شِـرْكٌ أكْـبَـر مُخْـرِجٌ مِنَ المِلَّةِ ، وهذا الَّـذِي قالَ اللَّهُ تعالىٰ مُحَـذِّرًا من فِـعْـلِـهِ لِـغَيْرِ اللَّهِ :

﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ۝﴾

وقال :﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ۝﴾ أي : واذْبَـح لِـرَبِّـك .
 
 الثَّانِي : الذَّبْـحُ مِـنْ أجْل أكْـلِ اللَّحْم ، هذا لا بَأْسَ بِهِ ؛ لأنَّهُ ما ذَبَحَ من أجْلِ الـتَّـقَـرُّبِ والتَّـعـظِـيم لأحَـد ، وإنَّما ذَبَحَ لحَاجَةٍ ، والأكْلِ منه ، فهذا لا بأس به ؛ لأنَّهُ ليس نوعًا من العِـبَادَةِ ، ويذبح لبيع اللحم .
 
 الثَّالِث : الـذَّبْـحُ علىٰ وجْـهِ الـفَـرَحِ والسُّرُورِ ،
بِمُنَاسَبَةِ زَوَاجٍ أو مُنَاسَبَةِ نُزُولِ مَسْكَـنٍ جَدِيدٍ ، أو قُدُومِ غَائِبٍ ، أو ما أشْبَـهَ ذلك بجَمْعِ الأقَارِبِ ، ويذبح من بَابِ إظْهَارِ الفَـرَحِ والسُّرُورِ بما حَصَلَ له ، هذا لا بَأْسَ بِهِ ؛ لأنَّهُ ليس فيه تَـعْـظِيـمٌ لأحَـدٍ ، ولا تَـقَـرُّب لأحَـدٍ ، وإنَّما هُـوَ من بَابِ الـفَـرَحِ والسُّـرُورِ في شيءٍ حَـصَل .
 
 الـرَّابِـع : الـذَّبْـحُ مِـنْ أجْـلِ التَّـصَـدُّقِ بِاللَّـحْـمِ عَـلَىٰ الـفُـقَـرَاءِ والـمَـسَـاكِين والـمـعـوزين ؛ هَـذَا يُــعْــتَـبَــرُ سُــنَّـة ،
وهُـو دَاخِــلٌ فِي الــعِــبَـادَةِ .

---------------------------------------------

صــفْـــحَـــــة :[ ١٥٣ - ١٥٤ ] .
 
 نَكْتفِي بهذا القَدْرِ وَنُكْمِلُ في العَدَدِ القادِمِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ -
          ــــــ ❁ ❁ــــــ❁ ❁ ــــــــ 


المعتقد الصحيح العـ16ـدد

 المعتقد الصحيح
العـ16ـدد

قال الشيخ عبد السلام بن برجس آل عبد الكريم-رحمه الله- في كتابه:
المعتقد الصحيح الواجب على المسلم إعتقاده:


فصل:
[الشفاعة]:

والإيمان بالشفاعة في ذلك الموقف أنواع:
 
- الشفاعة العظمى:
{وهي خاصة بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم ، وذلك حين يشفع في اهل الموقف ليقضي بينهم}.
 
- والشفاعة في استفتاح باب الجنة لأهلها:
{وهي خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم.}
 
- والشفاعة في تخفيف العذاب عمن يستحقه:

{وهي خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم حين يشفع في عنه أبي طالب ليخفف عنه العذاب في نار جهنم ، وذلك جزاء ماكان يحوطه ويغضب له}.
 
- والشفاعة في رفع درجات اقوام من اهل الجنة:

قيل: إن ذلك خاص بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم ، وقيل : ليس خاصا به صلى الله عليه وسلم.
 
- والشفاعة في أهل الكبائر:
 وهم العصاة من الموحدين الذين دخلوا النار بذنوبهم ، ليخرحوا منها. يشفع بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيره من المرسلين والملائكة والصالحين والشهداء.
والقرآن والصيام شفيعان لأصحابهما يوم القيامة. وكذا اولاد المؤمنين شفعاء لآبائهم.

فصل:
[الحوض]:

والإيمان بالحوض – حوض نبينا محمد صلى الله عليه وسلم- ماؤه أشد بياضا من اللبن ، وأحلى من العسل ، وأطيب من رائحة المسك، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها ابدا.

فصل:
[الصراط]:

والإيمان بالصراط المنصوب على متن جهنم يمر الناس عليه على قدر اعمالهم . فاولهم كالبرق، ثم كمر الريح، ثم كمر الطير، والنبي صلى الله عليه وسلم قائم على الصراط يقول : يارب ! سلم ، سلم، حتى تعجز أعمال العباد ، حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زاحفا. وفي جنبتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أُمِرت به : فمخدوش ناج ومكردس فى النار.
 
 ونؤمن بكل ماجاء في الكتاب والسنة من اخبار ذلك اليوم واهواله ،أعاننا الله عليها.

يتبع إن شاء الله تعالى...

_____________

 نَكْتفِي بهذا القَدْرِ وَنُكْمِلُ في العَدَدِ القادِمِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ -
          ــــــ ❁ ❁ــــــ❁ ❁ ــــــــ 


طريق الخلاص

طريق الخلاص

----------------------------

قال العلّامة حمود التويجري رحمه الله:

"وفي زماننا هذا قد استولت الكآبة والهم والغم على كل مسلم في قلبه حياة وغَيْرةٌ دينية، وذلك لِمَا يَرى من تضعْضع الإسلام وأهله، وتداعي الأمم عليهم من كل جانب، ولِما يُرى من تنافس المسلمين في الأمور الدنيوية، وجدّهم واجتهادهم فيما لا يجدي شيئا، وإعراضهم عما فيه عزهم ومجدهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة، وما أصابهم من الوهَن والتخاذل، وتفرق الكلمة، وذهاب الريح، ونزع المهابة من صدور الأعداء.

وكل هذه المصائب المؤلمة من ثمرات الذنوب والمعاصي، ومخالفة السنة النبوية والطريقة السلفية، قال الله تعالى: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}، وقال تعالى: {ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}، ولا ترى مسلما نوّر الله قلبه بنور العلم والإيمان إلا وهو في زماننا كالقابض على الجمر، لا يزال متألما متوجعا لِما يَرى من كثرة النقص والتغيير في جميع أمور الدين، وانتقاض الكثير من عُرى الإسلام، والتهاون بمبانيه العظام، ولقلة أعوانه على الخير، وكثرة من يعارضه ويناويه، فإن أَمَرَ بالمعروف لم يُقبل منه، وإن نَهَى عن المنكر لم يأمن على نفسه وماله، وأقل الأحوال أن يسخر منه ويستهزأ به، وينسب إلى الحمق وضعف الرأي، حيث لم يمشِ حاله مع الناس، وربما قمع مع ذلك وقهر واضطهد كما رأينا ذلك."

●غربة الإسلام [١١٢/١]

-----------------

قال الإمام ابن أبي العز الحنفي رحمه الله في شرح العقيدة الطحاوية :
[فَإِذَا أَرَادَ الرَّعِيَّةُ أَنْ يَتَخَلَّصُوا مِنْ ظُلْمِ الْأَمِيرِ الظَّالِمِ ، فَلْيَتْرُكُوا الظُّلْمَ]

قال العلامة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني -رحمه الله- في تعليقه على متن الطحاوية: 
[ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا، وإن جاروا، ولا ندعوا عليهم، ولا ننزع يداً من طاعتهم].
 
قال الشيخ الألباني في الهامش:
 (قد ذكر الشارح في ذلك أحاديث كثيرة تراها مُخَرَّجة في كتابه، ثم قال ـ أي الشارح ـ "وأما لزوم طاعتهم وإن جاروا، فلأنه يترتب على الخروج من طاعتهم من المفاسد أضعاف ما يحصل من جورهم، بل في الصبر على جورهم تكفير السيئات فإن الله ما سلطهم علينا إلا لفساد أعمالنا، والجزاء من جنس العمل، فعلينا الاجتهاد في الاستغفار والتربية وإصلاح العمل. قال تعالى: (وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)، فإذا أراد الرعية أن يتخلصوا من ظلم الأمير فليتركوا الظلم).

ثم علق الألباني على كلام الشارح فقال:
 (وفي هذا بيان لطريق الخلاص من ظلم الحكام الذين هم «من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا» وهو أن يتوب المسلمون إلى ربهم، ويصححوا عقيدتهم، ويربوا أنفسهم وأهليهم على الإسلام الصحيح، تحقيقا لقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ)، وإلى ذلك أشار أحد الدعاة المعاصرين بقوله:
"أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم، تقم لكم على أرضكم". وليس طريق الخلاص ما يتوهم بعض الناس، وهو الثورة بالسلاح على الحكام بواسطة الانقلابات العسكرية، فإنها مع كونها من بِدَع العصر الحاضر، فهي مخالفة لنصوص الشريعة التي منها الأمر بتغيير ما بالأنفس، وكذلك فلابد من إصلاح القاعدة لتأسيس البناء عليها (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ).

نقلاً من كتاب
 [العقيدة الطحاوية، شرح وتحقيق محمد ناصر الدين الألباني (المتوفى سنة 1420)، طبعـة المكتب الإسلامي -بيروت- الطبعة الثانية (1414هـ) الصفحة رقم (47)]

--------------
 

من صفات المؤمنبن ( و لا يشهدون الزور )

قال الله تعالى : 
( وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا )
الفرقان (72)


--------------------------------------------------------------------------------

قال ابن كثير في تفسيره 

 وَهَذِهِ أَيْضًا مِنْ صِفَاتِ عِبَادِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُمْ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ، قِيلَ: هُوَ الشِّرْكُ وَعِبَادَةُ الْأَصْنَامِ، وَقِيلَ الْكَذِبُ والفسق والكفر واللغو والباطل، وقال محمد ابن الحنفية: هو اللغو والغناء. وقال أبو العالية وطاوس وابن سِيرِينَ وَالضَّحَّاكُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَغَيْرُهُمْ: هِيَ أَعْيَادُ الْمُشْرِكِينَ.. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ، هِيَ مَجَالِسُ السُّوءِ وَالْخَنَا. وَقَالَ مَالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ: شُرْبُ الْخَمْرِ لَا يَحْضُرُونَهُ وَلَا يَرْغَبُونَ فِيهِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلَا يَجْلِسْ عَلَى مَائِدَةٍ يُدَارُ عَلَيْهَا الْخَمْرُ» .

وَقِيلَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ أَيْ شَهَادَةُ الزُّورِ، وَهِيَ الكذب متعمدا على غيره، كما فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم «إلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟» ثَلَاثًا، قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ» وَكَانَ مُتَّكِئًا، فَجَلَسَ فَقَالَ «أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ، أَلَا وَشَهَادَةُ الزُّورِ» فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ «1» . وَالْأَظْهَرُ مِنَ السِّيَاقِ أَنَّ الْمُرَادَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ أَيْ لَا يَحْضُرُونَهُ، ولهذا قَالَ تَعَالَى: وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً أَيْ لَا يَحْضُرُونَ الزُّورَ، وَإِذَا اتَّفَقَ مُرُورُهُمْ بِهِ مَرُّوا وَلَمْ يَتَدَنَّسُوا مِنْهُ بِشَيْءٍ، وَلِهَذَا قَالَ مَرُّوا كِراماً.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو الحسن الْعِجْلِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ مَرَّ بِلَهْوٍ معروضا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَقَدْ أَصْبَحَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأَمْسَى كَرِيمًا» وَحَدَّثَنَا الحسين بن محمد بن سلمة النحوي، ثنا حبان، أخبرنا عبد الله، أخبرنا محمد بن مسلم، أخبرني مَيْسَرَةَ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ مَرَّ بِلَهْوٍ مُعْرِضًا فَلَمْ يَقِفْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَقَدْ أَصْبَحَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأَمْسَى كَرِيمًا» . ثُمَّ تَلَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ ميسرة وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً.

ــــــ ❁ ❁ــــــ❁ ❁ ــــــ


قال الطبري في تفسيره
 
اختلف أهل التأويل في معنى الزور الذي وصف الله هؤلاء القوم بأنهم لا يشهدونه, فقال بعضهم: معناه الشرك بالله.

* ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا أبو عامر, قال: ثنا سفيان, عن جويبر, عن الضحاك, في قوله: ( لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ ) قال: الشرك.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ ) قال: هؤلاء المهاجرون, قال: والزور قولهم لآلهتهم, وتعظيمهم إياها.

وقال آخرون: بل عني به الغناء.

* ذكر من قال ذلك:

حدثني علي بن عبد الأعلى المحاربيّ قال: ثنا محمد بن مروان, عن ليث, عن مجاهد في قوله: ( وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ ) قال: لا يسمعون الغناء.

وقال آخرون: هو قول الكذب.

* ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قوله: ( وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ ) قال: الكذب.

قال أبو جعفر:

 وأصل الزور تحسين الشيء, ووصفه بخلاف صفته, حتى يخيل إلى من يسمعه أو يراه, أنه خلاف ما هو به, والشرك قد يدخل في ذلك, لأنه محسَّن لأهله, حتى قد ظنوا أنه حق, وهو باطل, ويدخل فيه الغناء, لأنه أيضا مما يحسنه ترجيع الصوت, حتى يستحلي سامعه سماعه, والكذب أيضا قد يدخل فيه لتحسين صاحبه إياه, حتى يظنّ صاحبه أنه حق, فكل ذلك مما يدخل في معنى الزور.

فإذا كان ذلك كذلك, فأولى الأقوال بالصواب في تأويله أن يقال: والذين لا يشهدون شيئا من الباطل لا شركا, ولا غناء, ولا كذبا ولا غيره, وكلّ ما لزمه اسم الزور, لأن الله عمّ في وصفه إياهم أنهم لا يشهدون الزور, فلا ينبغي أن يخص من ذلك شيء إلا بحجة يجب التسليم لها, من خبر أو عقل.

وقوله: ( وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ) اختلف أهل التأويل في معنى اللغو الذي ذُكر في هذا الموضع, فقال بعضهم: معناه: ما كان المشركون يقولونه للمؤمنين, ويكلمونهم به من الأذى. ومرورهم به كراما إعراضهم عنهم وصفحهم.

* ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ) قال: صفحوا.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قوله: ( وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ) قال: إذا أوذوا مرّوا كراما, قال: صفحوا.

وقال آخرون: بل معناه: وإذا مرّوا بذكر النكاح, كفوا عنه.

* ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا هشيم, قال: أخبرنا العوام بن حوشب, عن مجاهد ( وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ) قال: إذا ذكروا النكاح كفوا عنه.

حدثني الحارث, قال: ثنا الأشيب, قال: ثنا هشيم, قال: أخبرنا العوّام بن حوشب, عن مجاهد، ( وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ) قال: كانوا إذا أتوا على ذكر النكاح كفوا عنه.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا المعتمر, عن أبي مخزوم, عن سيار ( وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ) إذا مرّوا بالرفث كفُّوا.

وقال آخرون: إذا مرّوا بما كان المشركون فيه من الباطل مرّوا منكرين له.

* ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ) قال: هؤلاء المهاجرون, واللغو ما كانوا فيه من الباطل, يعني المشركين وقرأ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ

وقال آخرون: عُني باللغو هاهنا: المعاصي كلها.

* ذكر من قال ذلك:

حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن الحسن, في قوله: ( وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ) قال: اللغو كله: المعاصي.

قال أبو جعفر: 

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي, أن يقال: إن الله أخبر عن هؤلاء المؤمنين الذين مدحهم بأنهم إذا مروا باللغو مرّوا كراما, واللغو في كلام العرب هو كل كلام أو فعل باطل لا حقيقة له ولا أصل, أو ما يستقبح فسبّ الإنسان الإنسان بالباطل الذي لا حقيقة له من اللغو. وذكر النكاح بصريح اسمه مما يُستقبح في بعض الأماكن, فهو من اللغو, وكذلك تعظيم المشركين آلهتهم من الباطل الذي لا حقيقة لما عظموه على نحو ما عظموه, وسماع الغناء مما هو مستقبح في أهل الدين, فكل ذلك يدخل في معنى اللغو, فلا وجه إذ كان كل ذلك يلزمه اسم اللغو, أن يقال: عُني به بعض ذلك دون بعض, إذ لم يكن لخصوص ذلك دلالة من خبر أو عقل. فإذ كان ذلك كذلك, فتأويل الكلام: وإذا مرّوا بالباطل فسمعوه أو رأوه, مرّوا كراما، مرورهم كراما في بعض ذلك بأن لا يسمعوه, وذلك كالغناء. وفي بعض ذلك بأن يعرضوا عنه ويصفحوا, وذلك إذا أو ذوا بإسماع القبيح من القول، وفي بعضه بأن يَنْهَوْا عن ذلك, وذلك بأن يروا من المنكر ما يغير بالقول فيغيروه بالقول. وفي بعضه بأن يضاربوا عليه بالسيوف, وذلك بأن يروا قوما يقطعون الطريق على قوم, فيستصرخهم المراد ذلك منهم, فيصرخونهم, وكلّ ذلك مرورهم كراما.

وقد حدثني ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا محمد بن مسلم, عن إبراهيم بن ميسرة, قال: مرّ ابن مسعود بلهو مسرعا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنْ أصْبَحَ ابْنُ مَسْعُودٍ لَكَرِيما ".

وقيل: إن هذه الآية مكية.

* ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, قال: سمعت السديّ يقول: (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا) قال: هي مكية, وإنما عني السديّ بقوله هذا إن شاء الله, أن الله نسخ ذلك بأمره المؤمنين بقتال المشركين بقوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وأمرهم إذا مرّوا باللَّغو الذي هو شرك, أن يُقاتلوا أمراءه, وإذا مرّوا باللغو, الذي هو معصية لله أن يغيروه, ولم يكونوا أمروا بذلك بمكة, وهذا القول نظير تأويلنا الذي تأولناه في ذلك.
 

ــــــ ❁ ❁ــــــ❁ ❁ ــــــ



 قال القرطبي في تفسيره

قلت : من الغناء ما ينتهي سماعه إلى التحريم ، وذلك كالأشعار التي توصف فيها الصور المستحسنات والخمر وغير ذلك مما يحرك الطباع ويخرجها عن الاعتدال ، أو يثير كامنا من حب اللهو ; مثل قول بعضهم :

ذهبي اللون تحسب من وجنتيه النار تقتدح خوفوني من فضيحته

ليته وافى وأفتضح

لا سيما إذا اقترن بذلك شبابات وطارات مثل ما يفعل اليوم في هذه الأزمان ، على ما بيناه في غير هذا الموضع . وأما من قال إنه شهادة الزور وهي .

الثانية : فكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يجلد شاهد الزور أربعين جلدة ، ويسخم وجهه ، ويحلق رأسه ، ويطوف به في السوق . وقال أكثر أهل العلم : ولا تقبل له شهادة أبدا وإن تاب وحسنت حاله فأمره إلى الله . وقد قيل : إنه إذا كان غير مبرز فحسنت حاله قبلت شهادته حسبما تقدم بيانه في سورة ( الحج ) فتأمله هناك .

وإذا مروا باللغو مروا كراما وقد تقدم الكلام في اللغو ، وهو كل سقط من قول أو فعل ، فيدخل فيه الغناء واللهو وغير ذلك مما قاربه ، ويدخل فيه سفه المشركين وأذاهم المؤمنين وذكر النساء وغير ذلك من المنكر . وقال مجاهد : إذا أوذوا صفحوا . وروي عنه : إذا ذكر النكاح كنوا عنه . وقال الحسن : اللغو المعاصي كلها . وهذا جامع . و ( كراما ) معناه معرضين منكرين لا يرضونه ، ولا يمالئون عليه ، ولا يجالسون أهله . أي مروا مر الكرام الذين لا يدخلون في الباطل . يقال تكرم فلان عما يشينه ، أي تنزه وأكرم نفسه عنه . وروي أن عبد الله بن مسعود سمع غناء فأسرع وذهب ، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : لقد أصبح ابن أم عبد كريما . وقيل : من المرور باللغو كريما أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر .



ــــــ ❁ ❁ــــــ❁ ❁ ــــــ


قال السعدي في تفسيره

{ وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ } أي: لا يحضرون الزور أي: القول والفعل المحرم، فيجتنبون جميع المجالس المشتملة على الأقوال المحرمة أو الأفعال المحرمة، كالخوض في آيات الله والجدال الباطل والغيبة والنميمة والسب والقذف والاستهزاء والغناء المحرم وشرب الخمر وفرش الحرير، والصور ونحو ذلك، وإذا كانوا لا يشهدون الزور فمن باب أولى وأحرى أن لا يقولوه ويفعلوه.

وشهادة الزور داخلة في قول الزور تدخل في هذه الآية بالأولوية، { وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ } وهو الكلام الذي لا خير فيه ولا فيه فائدة دينية ولا دنيوية ككلام السفهاء ونحوهم { مَرُّوا كِرَامًا } أي: نزهوا أنفسهم وأكرموها عن الخوض فيه ورأوا أن الخوض فيه وإن كان لا إثم فيه فإنه سفه ونقص للإنسانية والمروءة فربأوا بأنفسهم عنه.

وفي قوله: { وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ } إشارة إلى أنهم لا يقصدون حضوره ولا سماعه، ولكن عند المصادفة التي من غير قصد يكرمون أنفسهم عنه.



ــــــ ❁ ❁ــــــ❁ ❁ ــــــ


قال ابن القيم رحمه الله : 

وتأمل كيف قال سبحانه ( لا يشهدون الزور ) ولم يقل بالزور ، لأن ( يشهدون ) بمعنى : يحضرون ، فمدحهم على ترك حضور مجالس الزور فكيف بالتكلم به وفعله ؟


والغناء من أعظم الزور. والزور : يقال على الكلام الباطل ، وعلى العمل الباطل ، وعلى العين نفسها، كما في حديث معاوية رضي الله عنه لما أخد قصة من شعر يوصل به، فقال: "هذا الزور" فالزور: القول، والفعل، والمحل.
وأصل اللفظة من الميل، ومنه الزور بالفتح، ومنه: زرت فلانا، إذا ملت إليه، وعدلت إليه، فالزور: ميل عن الحق الثابت إلى الباطل الذى لا حقيقة له قولاً وفعلاً.

 
من كتاب اغاثة اللهفان
الصفحة ٢٢١

-------------------------------------------------


 

مختصر فقه الأسماء الحسنى الاســم ( العليم )

 بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـ ا ـنِ الرَّحِيمِ

       الاســم
         ( العليم )

 
 وقد ورد هذا الاسم في القرآن الكريم في أكثر من مائة وخمسين موضعاً
 قال تعالى : ﴿ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ ﴾
 وقال تعالى : ﴿ ذَٰلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ عَلِيمًا ً﴾
 
 أي : الذي أحاط علمه
○ بالظواهر والبواطن
○ واﻹسرار واﻹعلان
○ وبالعالم العلوي والسفلي
○ بالماضي والحاضر والمستقبل
 
 فلا يخفى عليه شيء من الأشياء ، علم ما كان وما سيكون ، وما لم يكن أن لو كان كيف يكون
أحاط بكل شيء علماً ، وأحصى كل شيء عدداً
 
 وللإيمان بهذا الاسم العظيم آثار مباركة على العبد ، بل هو أكبر زاجر وأعظم واعظ

❒ قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله :
أجمع العلماء على أنه أكبر واعظ وأعظم زاجر نزل من السماء إلى الأرض ،....
ولا تكاد تقلب ورقة واحدة من أوراق المصحف الكريم إﻻ وجدت فيها هذا الواعظ الأكبر والزاجر الأعظم

◉ ﴿ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
◉ ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾
◉ ﴿ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ۚ﴾
◉ ﴿ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا ﴾
◉ ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ ﴾
◉ ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ ۚ ﴾
◉ ﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ۚ ﴾
 
 فينبغي علينا جميعاً أن نعتبر بهذا الزاجر الأكبر ، والواعظ الأعظم ، وأن لا ننساه لئلا نهلك أنفسنا

المصـــــــدر :
 مختصر فقه الأسماء الحسنى صفحة رقم (٢٣ _٢٤)للشيخ عبدالرزاق بن عبدالمحسن البدر حفظه الله

_____________
   
 نَكْتفِي بهذا القَدْرِ وَنُكْمِلُ في العَدَدِ القادِمِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ -
          ــــــ ❁ ❁ــــــ❁ ❁ ــــــــ


مختصر فقه الأسماء الحسنى الاســم ( البصير )

 بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـ ا ـنِ الرَّحِيمِ

       الاســم
        ( البصير )
 
 وهو اسم تَـكَرَّرَ وروده في القرآن الكريم في مواضع تزيد على الأربعين
◉ منها قوله تعالى : ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾
◉ وقوله تعالى : ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾

❒ والبصير :
أي : الذي يرى جميع المُبصِرات ، ويبصر كل شيء وإن دق وصغر ، فيبصر دبيب النملة السوداء على الصخرة الصَمَّاء في الليلة الظلماء ، ويرى مجاري القوت في أعضائها ، ويبصر ما تحت الأرضين السبع ، كما يبصر ما فوق السماوات السبع ، ويرى تبارك وتعالى تقلبات الأجفان ، وخيانات العيون .

❒ ولقد احسن من قال :
يامن يرى صف البعوض جناحه
                           في ظلمة الليل البهيم الأليلِ

ويرى مناط عروقها في نحرها
                           والمخ من تلك العظام النُحّلِ

أمنن علي بتوبة تمحُ بها
                        ماكان مني في الزمان الأولِ
 
 ثم إن لهذا الاسم العظيم مقتضياته من الذل والخضوع ، ودوام المراقبه والإحسان في العبادة ، والبعد عن المعاصي والذنوب

❒ قال ابن رجب رحمه الله :
【راود رجل امرأة في فلاة ليلاً فأبت ، فقال لها : ما يرانا إلا الكواكب ، فقالت : أين مكوكبها؟!】، أي : ألا يرانا

◉ قال تعالى : ﴿ أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَىٰ ﴾ ، وكفى بهذا زاجراً ورادعاً .

المصـــــــدر : 
مختصر فقه الأسماء الحسنى صفحة رقم (٢٢ _ ٢٣)
للشيخ عبدالرزاق بن عبدالمحسن البدر حفظه الله

_____________
   
 نَكْتفِي بهذا القَدْرِ وَنُكْمِلُ في العَدَدِ القادِمِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ -
          ــــــ ❁ ❁ــــــ❁ ❁ ــــــــ
 
 

مختصر فقه الأسماء الحسنى الاســم ( السميع )

 بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـ ا ـنِ الرَّحِيمِ
       الاســم
        ( السميع )

 وهو اسم تكرر وروده في القرآن الكريم فيما يقرب من خمسين موضعاً
ً
◉ منها قوله تعالى : ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾
◉ وقوله تعالى : ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾
 
 والسميع :
هو الذي يسمع جميع الأصوات على إختلاف اللغات وتفنن الحاجات ، قد استوى في سمعه سِـرُّ القول وجهره
 
 قال تعالى : ﴿ سَوَاءٌ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ ﴾
وَسِـعَ سمعه الأصوات كلها ، وﻻ يغلطه تنوع المسائل ، وﻻ يبرمه كثرة السائلين .
 
 روى الإمام أحمد وغيره عن عائشة رضي الله عنها قالت :
الحمد لله الذي وَسِعَ سمعه الأصوات ، لقد جاءت المـجادِله إلى النبي ﷺ تُـكَلِّمه ، وأنا في ناحية من البيت ما أسمع ما تقول :

فأنزل الله عز وجل : ﴿ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾
 
 وفي رواية قالت : تبارك الذي وَسِـعَ سمعه كل شيء
 
 بل لو قام الجن والإنس كلهم من أولهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها في صَـعـيدٍ واحد ، وسألوا الله جميعاً في لحظة واحدة ، وكلٌّ عرض حاجته ، وكلٌّ تحـدّث بلهجته ولغته
لسمعهم أجمعين دون أن يختلط عليه صوت بصوت أو لغة بلغة أو حاجة بحاجة .

المصـــــــدر : 
مختصر فقه الأسماء الحسنى صفحة رقم (٢١ _ ٢٢)
للشيخ عبدالرزاق بن عبدالمحسن البدر حفظه الله



_____________
   
 نَكْتفِي بهذا القَدْرِ وَنُكْمِلُ في العَدَدِ القادِمِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ -
          ــــــ ❁ ❁ــــــ❁ ❁ ــــــــ


المعتقد الصحيح العـ15ـدد

 المعتقد الصحيح 
العـ15ـدد

قال الشيخ عبد السلام بن برجس آل عبد الكريم-رحمه الله- في كتابه:
المعتقد الصحيح الواجب على المسلم إعتقاده:

 
فصل: 
[الإيمان باليوم الأخر]:
 
وهو يوم القيامة ومايجري فيه من أمور وأهوال. يوقن أهل السنة بذلك ، كما قال تعالى : (وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) (البقرة : 4 ).
وقال تعالى: (اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثاً) (النساء : 87 ).
وقال تعالى: (إنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ) (الحجر : 85 ).
 
فصل: 
[البعث]:

ويدخل في ذلك: الإيمان بالبعث وهو إحياء الموتى.
قال الله تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ) (الزمر : 68 ).
وقال تعالى: (كمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) (الأنبياء : 104 ).
 
فصل: 
[صحائف الأعمال]:

والإيمان بصحائف الأعمال تعطى باليمين أو من وراء الظهور بالشمال.
قال الله تعالى: 
الْحَاقَّةُ ( 1 ) مَا الْحَاقَّةُ ( 2 ) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ ( 3 ) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ ( 4 ) فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ ( 5 ) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ( 6 ) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ( 7 ) فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ ( 8 ) وَجَاء فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ ( 9 ) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً ( 10 ) إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاء حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ ( 11 ) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ( 12 ) فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ ( 13 ) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً ( 14 ) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ( 15 ) وَانشَقَّتِ السَّمَاء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ ( 16 ) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ ( 17 ) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ ( 18 ) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ ( 19 ) إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ ( 20 ) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ ( 21 ) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ( 22 ) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ ( 23 ) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ( 24 ) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ ( 25 ) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ ( 26 ) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ ( 27 ) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ ( 28 ) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ ( 29 ) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ( 30 ) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ( 31 ) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ ( 32 ) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ( 33 ) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ( 34 ) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ ( 35 ) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ ( 36 ) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِؤُونَ ( 37 ) {الحاقة}.
  
فصل: 
[الموازين]:

والإيمان بالموازين توضع يوم القيامة فلا تُظلم نفس شيئا.
قال الله تعالى: (فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (المؤمنون : 102 ).

يتبع إن شاء الله تعالى ...


_____________ 

 نَكْتفِي بهذا القَدْرِ وَنُكْمِلُ في العَدَدِ القادِمِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ -
          ــــــ ❁ ❁ــــــ❁ ❁ ــــــــ




المعتقد الصحيح العـ14ـدد

 المعتقد الصحيح 
العـ14ـدد

قال الشيخ العلّامة عبد السلام بن برجس آل عبد الكريم -رحمه الله- في كتابه: 
المعتقد الصحيح الواجب على المسلم إعتقاده:

فصل: 
[الرسل والأنبياء عبيد الله]:

ونؤمن بأنهم عبيد من عباد الله أكرمهم الله بالرسالة ، ووصفهم بالعبودية في أعلى مقاماتهم ، وفي سياق الثناء عليهم.

فصل: 
[نبينا محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء]:

ونؤمن بأن الله تعالى ختم الرسالات برسالة محمد صلى الله عليه وسلم فأرسله إلى جميع الثقلين : الإنس والجن كما قال تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً) (الأعراف : 158 ).
وقال تعالى : (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) (الأنبياء : 107 )
وقال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (سبأ : 28 ).
وأخبر تعالى أنه أخذ العهد على النبيين إن أدركوا زمن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أن يتبعوه ، وفي هذا دليل واضح على أن رسالته صلى الله عليه وسلم خاتمة الرسالات، وأنها ناسخة لكل رسالة مضت ، قال تعالى : (وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ)( 81 ) (فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (آل عمران : 82 )

فصل:
[بشارة الرسل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم]:

وقد بشر الرسل –صلوات الله وسلامة عليهم اجمعين- برسالة محمد صلى الله عليه وسلم . قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ) (الصف : 6 )
وقال تعالى :  (وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَـذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَـا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَـاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ) (الأعراف : 156 ) (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ) (الأعراف : 157 ).
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والذي نفس محمد بيده لايسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار".

فصل:
[من كذب برسالة محمد صلى الله عليه وسلم كفر]:
فمن كذب برسالة محمد صلى الله عليه وسلم فقد كفر بجميع الرسل حتى برسوله الذي يزعم أنه مؤمن به متبع له ، قال تعالى: 
(كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ) (الشعراء : 105 )، فجعلهم مكذبين لجميع الرسل مع أنه لم يسبق نوحا رسول.

فصل:
[من ادعى النبوة بعد محمد صلى الله عليه وسلم]:
ونؤمن أن لانبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم ، فمن ادّعى بعده النبوة كفر ، قال الله تعالى: 
{وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} (الأحزاب : 40 ).
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون".

فصل
[من كذب برسالة أحد من الأنبياء والمرسلين كفر]:

ومن كذب برسالة أحد من الأنبياء والمرسلين فقد كفر ، قال تعالى:
(إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً) (150 )
(أُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً) (151 )
 (وَالَّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَـئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رَّحِيماً) (النساء : 152 )

يتبع إن شاء الله تعالى...

 
_____________
 
 نَكْتفِي بهذا القَدْرِ وَنُكْمِلُ في العَدَدِ القادِمِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ -
          ــــــ ❁ ❁ــــــ❁ ❁ ــــــــ



تَوْضِيحُ الأَفْكَارِ لِمَعَانِي أَثَرِ ابْنِ المُبَارَكِ فِي خِصَالِ الأَخْيَارِ


تَوْضِيحُ الأَفْكَارِ
لِمَعَانِي أَثَرِ ابْنِ المُبَارَكِ فِي خِصَالِ الأَخْيَارِ

 
حفظه الله تعالى ورعاه، وثبته على الإسلام والسنة، وجزاه عنا خير الجزاء

 ــــــ ❁ ❁ــــــ❁ ❁ ــــــ

تفريغٌ لكلمةٍ ألقاها فضيلته في مسجد بدر العتيبي بالمدينة النَّبويَّة
وذلك يوم الإثنين 16 جمادى الأولى 1438هـ
أسألُ الله سبحانه وتعالى أن ينفع بها الجميع

لتحميل الصَّوتيَّة: مِنْ هُنَا


ــــــ ❁ ❁ــــــ❁ ❁ ــــــ

التَّفريغ:
  
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين-، أمَّا بعد:

فقد تقدم وَعْد منا في الليلة الماضية أن نتكلَّم بما يُيَسِّر الله جلّ وعلا على كلام عبد الله بن المبارك الإمام العَلَم صاحب الدِّين والعبادة والزهد في هذه الدنيا والورع والعلم والشَّجاعة والكرم والجهاد في سبيل الله، ومُحَصَّل القول أنَّه اجتمعت فيه خصال الخير، وقد قيل عنه -رحمه الله تعالى-: (إنه لم يسبقه أصحاب النبي ﷺ إلا بصحبتهم للنبي -ﷺ- ورؤيته).

فقد جاء عنه -رحمه الله- أثر جميلٌ؛ حيث سئل: ما أفضل ما أُعْطِيَه المرء أو الرجل؟ فقال -رحمه الله-: (غريزة عقل) يمنّ الله عليه بالعقل الغريزيّ، فقيل له: فإن لم يكن؟قال: (فَحُسْن أدبٍ) يُرْزق الأدب، قال فإن لم يكن الأدب؛ هذا يأتي إلى القسم الثاني من قسمي العقل وهو القسم الذي ذكرناه عند بعض إخوانكم وهو العقل المسموع.
فالأول: الغريزي المطبوع، والثاني: العقل المكتسَب المسموع؛ هذا يأتي من الأدب، والكلام في هذا الباب كثير.
فقيل له: فإن لم يكن؟ يعني: ما حصل له الأول ولا الثاني، فإن لم يكن؟ قال: (فأخ صالح يستشيره)، إذا نقص عقله ونقص أدبه يُوفَّق لصالح قد وُجِد فيه هذان الأمران فيستشيره فيُكمِّلُه بإذن الله، فقيل له -رحمه الله-: فإن لم يكن؟ ما حصّل أخا عاقلا صالحا ناصحا يستشيره إذا احتاج؛ قال: (فَصَمْتٌ طويل)،والمراد به: الصَّبر والأناة؛ لا يعجل؛ يسكت حتى يرى المخرج فيتكلَّم، فقيل له: فإن لم يكن؟ قال: (مَوتٌ عاجل)،يموت؛ يستريح هو من الوقوع في الشرور فتنة بعد فتنة بعد فتنة بعد فتنة وهو دائماً يقع فيها ويُريح الناس من شرِّه، فمُستريح ومُسْتراح منه،ماذا بقي؟!موت عاجل يأخذه يُريحه ويريح الناس منه، هو مستريح من الازدياد من الشر وكسب الشر وغيره مُرتاح منه ومن شره.

فانظروا -رحمكم الله- إلى هذا الكلام الجميل، فالأول الذي ذكره -رحمه الله تعالى- وهو العقل، العقل نعمة من الله جل وعلا أنعم بها على العباد وكرَّمهم وفضَّلهم بها على المجانين وعلى الدواب.

والمرء إنما هو مُسْتَوْدَع ومِغْرَفة، فالمُسْتَوْدَع: القلوب التي هي العقول؛ في محل العقول، فإذا صلُحت هذه المستودعات غُرِف منها النَّافع لأصحابها ولمن يستمع لهم، فإن القلوب هذه صناديق؛ قدور مليئة، والألسن مغارف، والمرء يغرِف من قِدْرِه الذي بينه أو بين يديه.

فإنَّما يتكلَّم المرء بما في قلبه، ولهذا قيل: (ما أسَرَّ إنسان سريرةً إلَّا أظهرها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه).

فالألسن مغارف القلوب، والقلوب هي محلّ العقل كما قال الله جل وعلا، فإذا كان المرء قد أُنْعِم عليه بالعقل وأُنْعِم عليه بِحُسْن المنطق فقد كَمُل فيه الخير، وهذا تعرفه الجاهلية الجهلاء في أيَّامها قبل الإسلام، وفي هذا يقول زهير بن أبي سلمى:

لسان الفتى نِصفٌ ونِصفٌ فؤاده *** فلم يبقَ إلا صورة اللَّحم والدَّم

فإذا أوتي العبدُ العقلَ فإنَّه يعيش به بين الناس، ويقوم به بين الناس أحسنَ قيام، فيتدبَّر أمورَه، وينظر فيما يُصلِحُه هو في نفسه في جميع مناحي الحياة، وينظر فيما يَصلُح به الناس من قِبَلِه، وإذا فَقَدَ العقل فقد حلَّ الجهل، وإذا جاء الجهلُ نزل الحُمقُ، ولهذا يُقال: (عدوّ سوء عاقل ولا صديق جاهل)،
ما يبلغ الأعداء من جاهل *** ما يبْلُغ الجاهلُ من نفسه والشيخ لا يترك عاداتِه *** حتى يُوارى في ثرى رَمْسِه

صاحب الحُمق إذا شابَ على حُمقِه وخِفَّةِ عقله لا يَتْرُك ما هو عليه ممَّا نشأ عليه حتى يموت، وهذا شُؤم وشرّ على نفسه وعلى غيره، فالعقل زينة؛ هو مناط التكليف؛ هذا العقل الغريزي الذي طبع الله سبحانه وتعالى البشرَ عليه، وهو يزين الفتى ويَشينه، يزين الفتى في الناس ويَشينه في الناس عقله، فالناس يحكمون بذلك عليه في أقواله وأفعاله، فإن كان عاقلاً رأيت تصرفاتِه سوِيَّة، وإن كان غير ذلك رأيته خفيفًا طيَّاشًا، وإذا كان كذلك فأنت لا تأمنه على شيء؛لا تأمنه على سِرّ ولا تثق به في رأي ولا تعتمد عليه في قواء أمر.

وهذه هي الثلاثة الأركان:
← لا تأمنه؛ إيش؟ لا تأمنه على سِرّ، لأنه خفيف العقل ما يحفظ الأسرار.
← والثَّانية: ولا تثق به في رأي،إذا ما كان يُحسِن الرأي لنفسه كيف يُحسِنه لك.
← ولا تعتمد عليه في قضاء أمر.
إذنْ: صِفْر.
وكم من الناس تجد فيهم هذه الخصلة في هذه الأعصار: الحمق، والخفَّةُ، وقِلَّة الإدراك؛ الإدراك لما فيه ولما ينبني على ما يقول ويفعل، ما يُدرِك عواقب الأمور ولا يُحسن تصريف الأمور لا في حاضره ولا في مستقبله،وهذا في الحقيقة بلاء وشؤم على من يُصاِحب وعلى من يُجالس، فلا تَصْحَبْ مِثْل هذا،
فلا تصحب أخا الجهل *** وإيَّاك وإيَّاه فكم من جاهلٍ أَرْدى *** حليمًا حين آخاه يُقاس المرءُ بالمرء *** إذا ما هو ماشاه وللشَّيْء على الشَّيء *** مقاييسُ وأشباه

الناس ينسبونه إليك وينسبونك إليه فمثل هذا يَشينك في الناس، فاحذر أن يكون صفيًّا لك أو صديقًا لك صاحبًا لك أخًا لك، هذا هو بمثابة المريض يحتاج إلى العلاج، فأنت تُعالجه إذا منَّ الله جل وعلا عليك بالعقل وبالعلم، وقديمًا قيل:
وما المرء إلا حُسن عقلٍ ومنطقٍ *** ...................
سيأتينا -إن شاء الله- في الصمت
.................... ****ومن فاته هذا وهذا فقد دَمَر
يعني: هَلَك، ﴿دَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ يعني: أهلكناها.
فالشاهد: أنَّ من كان كذلك فلا يصلُح أن يكون أخًا ولا صديقا فضلاً عن أن يكون صفيًّا وخليلاً ومستشارًا أمينًا، فابْتعد عن هذا الصِّنف أيُّها العاقل.
هؤلاء مرضى هُم بحاجةٍ إلى أنْ يُعالَجوا حتَّى يَصِحُّوا ويستقيموا في أنفسهم، بعد ذلك يحصل الكلام.

أمَّا الثاني وهو: فإنْ لم يكن؟ قال: (فَحُسْنُ أدبٍ)، الأدب وما أدراك.
يعني: إذا لم يكن العقل الغريزيّ الذي يحجِزُ صاحبَه فلا أقلَّ مِن أنْ يكون الثاني العقل المُكتَسَب، وهذا لا يكون إلا بمجالسة الحكماء والأدباء والعلماء والحلماء، فالحكماء الحلماء العلماء الأدباء؛ هذه أربع صفات؛ فتكتسب منهم، فإن كان العقل الغريزيّ الذي فُطِر عليه الإنسان عنده فيه نقص فيه ضعف فلا أقلَّ مِن أنْ يَصْحَب من يُكمِّله وفي الناس يُجمِّله، فإذا جلس إليهم وأوى إليهم استفاد منهم، يستفيد منهم العلمَ والحكمةَ والأدبَ والحِلْمَ، والعِلْم بالتّعلّم والحِلْمُ بالتّحلّم والأدب بالمجالسة والحكمة أيضا تُكتَسَب بالمجالسة،
وإذا صاحبت فاصحب ماجدا *** ذا حياءٍ وعفافٍ وكرم قوله للشيء: لا، إن قلت: لا *** وإذا قلتَ: نعم، قال: نعم

فأصحاب الأخلاق المستقيمة والطِّباع القويمة هؤلاء هم الذين يُحرَص على مصاحبتهم، لأنَّك تستفيد منهم، والمرء يُقاس بمن يُجالِس، والمرء يُنسب إلى من يُجالس، فإذا جالست الغاغة النُّوكى الحمقى نُسِبْتَ إليهم.
يقول الشَّاعر:
من جالس الغاغة النُّوكى جنى ندمًا *** ........................

يندم، لأنه يُنسَب إليهم، وأعلى من ذلك كلّه قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَثَل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك...) أعمّ مِن أنْ يكون بائعُه؛ حامله، إما أن تجد منه هديَّة، (..إما أن يُحْذِيَك..)يعني: هدية يعطيك، (..وإما أن تبتاع منه..) بالشِّراء؛ تشتري، (..وإما أن تجد منه ريحا طيبة)، إذا لم تكن معك الدَّراهم والدنانير فتشتري منه وإذا لم يتكرم عليك فيُعطيك هو بالمجان هدية فلا أقلَّ مِن أنْ تجدَ الريح الطّيّبة فتقوم و(كلمة لم أفهمها) من المجالسة ورائحتك رائحة المسك.
ففي الصحبة: النِّسبة إلى هذا هي الرائحة الطيبة، هي السُّمْعة الطّيّبة، السّمعة الطّيّبة يُقال: فلان جليس فلان فيُحَبُّ بين الناس، فهذه السُّمعة الطّيّبة هي بمثابة الرائحة الطّيّبة عند صاحب المسك الحسّي، فهؤلاء مسكهم معنوي: العلم والدين والحكمة والحلم، فالسُّمعة الحَسَنة التي اكتسبوها في الناس أنت تمشي بين الناس بسببهم، يُقال: هذا أخو فلان، زميل فلان، صديق فلان، تلميذ فلان، جار فلان، صاحب فلان ونحو ذلك، فيُقدِّره الناس لتقديرِ الأول، فهذه السمعة الطيبة التي طارتْ بين الناس هي بمنزلة الرائحة الطيبة التي تشيع بين الناس الحاضرين إذا جلسوا إلى صاحب المسك الحقيقي فيكتسبون الرائحة الطيبة وهذا يكتسب السمعة الطيبة.
فإذا جالست أهل الأدَب اجتنيت الخير، والأدبُ يرفع صاحبَه ولو كان وضيع النسب،
كُنِ ابْنَ مَن شِئت واكْتَسِب أدبا *** يُغنيك محموده عن النَّسبِ إن الفتى من يقول ها أنا ذا *** ليس الفتى من يقول كان أبي

فالآداب الحميدة والمكارم والأخلاق الجميلة تُكتَسَب من أهل الأدب، وأهل الآداب ومكارم الأخلاق يُشدُّ الرَّحْل إلى مجالسهم ويُقتدى بهم في سَمْتهم وهَدْيِهم الظاهر قبل أن يُسمَع من كلامهم وحِكَمِهم ويُجتنى من ثمارهم الجميلة النافعة في الدين والدنيا، وإذا جالست هؤلاء فأنت على خيرٍ وآمنٌ الشّرَّ، تجتني الخير وتأمن الشر، فإنَّك لا تعدم منْ أنْ يُتحِفوك ويُنبِّهوك ويُسدِّدوك ويُقوِّموك ويُرشدوك، لا تأمن إلا هؤلاء؛ فلا تخلو من واحدة من هذه الخصال الأربع: يُسدِّدوك ويُقوِّموك ويُنبِّهوك ويُرشدوك.
يُسدّدوك في النقص، ويُقوِّموك إذا رأوا الخلل، ويُنبِّهوك إذا رأو الغفلة، ويرشدونك إلى ما ينفع.
فمجالستهم غُنْمٌ والبعد عنهم غُرمٌ، ومجالسة الحمقى غُرْمٌ والبُعد عنهم غُنْمٌ.
وعليكم معشر الأحبة بالاعتناء بكتب الآداب الشرعية التي جاء بها النبي -صلى الله عليه وسلم-، واقرؤوا في آداب العرب؛ فإنَّ العرب مع شِرْكهم كانت عندهم من الأخلاق والآداب ما جاء النبي -صلى الله عليه وسلم- بمدحه وجاء يُكمِّله -صلى الله عليه وسلم- (إنما بُعثت لأتمِّم مكارم الأخلاق)، فتمَّمَ النبي -صلى الله عليه وسلم- مكارمَ الأخلاق ومحاسنَ الآداب والطِّباعَ والشِّيمَ التي كانت تنقص العرب فأضافها إلى ما عندهم.
فاقرؤوا في كتب الآداب الشريعة فإنكم واجدون الكثير والكثير، ولن نكمل مهما قرأنا في هذا الباب، والمرء بحاجة إلى أن يتجمَّل بالأدب؛ فإنَّ الآداب مكتسبة، وإذا سمع الناس وتكلَّم الناس عن صاحب الأدب وأهل الأدب لا تجد إلا الثناء الجمّ على هؤلاء، فاحرص على أن تكون منهم، وما الآداب الإسلاميَّة إلا ركيزة من ركائز هذا الدين، ولهذا يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا حديثَه المشهور: (إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أُعلِّمكم) يعني: يُؤدِّبهم -صلوات الله وسلامه عليه-، فالتَّعليم هو التأديب.

فأنت إذا جلست وجالستَ هؤلاء الأدباء انْثَنَيْتَ منهم بالفوائد العظيمة، ولا يُبغِض الآداب ومجالسَ أهلها إلا أهل الحمق ومن سَفِهوا أنفسهم، ولقد كان الشافعي -رحمه الله تعالى- في هذا الباب مضربَ المَثَل، ويحيى بن أبي كثير -رحمه الله- ويروى أيضا عن ابن مبارك يقولان: (نحن إلى كثيرٍ من الأدب أحوجُ منَّا إلى كثير من العلم)، إذا كان العِلم الذي تحمله يَنقصك فيه الأدب لا يُقبِل الناس عليك، لأنَّ صاحب الأدبِ يكون ليِّنَ الجانب؛ يخفض جناحَه لأهل الإيمان فَيَرْحَم الصَّغير ويُوقِّر الكبير ويُقدِّر المساوي ويَعطِف على الضعيف ويقف في وجه العنيف حتى يردعه عن باطله، وتجد الناس منه في راحةٍ وفي فائدةٍ عظيمةٍ، ولهذا كان الأحنف بن قيس -رحمه الله تعالى- مضربًا في هذا الباب؛ فقيل له: بِمَ بلغت هذا في قومك؟ يعني: صار سيّد قومه -رحمه الله-، قال: (بِسَعْيِي في قضاء حوائجهم، وتَرْكِي التدخل في ما لا يعنيني) يعني: من أمورهم، فـ [ترك] التدخل في ما لا يعنيهذا كفّ للنَّفس عن الشّرّ مع الآخرين، والسّعي في قضاء حوائجهم هذا إيصال للخير إليهم.
والشافعي -رحمه الله تعالى- يقول: (وددت أن لي بكل جارحة من جوارحي سمعا أسمع به الآداب)، وقد قيل له: ما مقدار شوقك إلى لأدب؟ قال: (كما أن الوالدة التي ليس لها إلاَّ وليدٌ واحد أضاعته فهي مُشفِقة تبحث عنه حتى تجده) هذا ولَهُهُ على الأدب كَوَلَهِ الوالدة على وليدها أضاعته ليس لها سواه؛ كيف تعلّقها به؟ تبقى مثل المجنون حتى تجده فتهدأ، فهكذا يقول الشافعي -رحمه الله تعالى-.
وكم في وصايا أهل العلم في هذا الجانب: في توصيتهم لأولادهم وتوصيتهم لطلاَّبهم بأن يعتنوا بجانب الآداب، وقد أدرك أئمة الحديث والسنة -رحمهم الله تعالى- هذا الجانب فجمعوا فيه الشَّيء الكثير، ساقوا الآداب النَّبويَّة مُسنَدة إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالأسانيد ومع ذلك ساقوا معها كثيرًا من المُلَح والفوائد عن الصالحين في هذه الأمة من العلماء والحكماء والزهاد والعباد والفقهاء، نقلوا عنهم في هذا شيئا لا نستطيع أن نحصره لا ولا أنتم ولم يحصره من قبلنا ولن يحصره من بعدنا.
فالواجبُ معشر الأحبَّة أن يُعتنى بهذا الجانب جانب الأدب، والآداب النبوية كالقمة في ذلك، لذلك كُتِب فيها الكتب المستقلّة في آداب النبي -صلى الله عليه وسلم- وأخلاقه -عليه الصلاة والسلام-.

وهذه الدواوين بين أيدينا موجودة، فما على طالب العلم إلا أن يعتني بالأدب، وما عليه إلا أن يحرص على إخوانه وأبنائه؛ أن ينشر فيهم محاسن الآداب ومكارم الأخلاق، فإنه والله يزينه ذلك بين الناس ويُقبِلُ الناس عليه، ونحن كما قال ابن أبي كثير وابن المبارك: (إلى كثير من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم).
فإن لم يكن حسن أدب؟ فـ (أخٌ صالح -ناصح- تستشيره)، وهذا فيه دليل على ما؟ على اختيار الصاحب، اختَر من هو أعلى منك في كلّ شيء وخصوصا في الدين والعلم والحلم والحكمة فإنك تستفيد منه، وعليك أن تُصاحب من هو أكبر منك سِنًّا في هذا الباب فإنه يفيدك مِن تجاربه ويفيدك من خبرته فتكون كما كان ابن عباس -رضي الله عنهما- فتى الكهول؛ يجلس مع من؟ يجلس مع الكبار، يجلس في مجلس أمير المؤمنين عمر -رضي الله تعالى عنه- حتى عرف عمر -رضي الله تعالى عنه- لابن عباس -رضي الله عنهما- قَدْرَه فكان يدخله مع كهولِ قريش والمهاجرين والأنصار الذين هم جلساؤه حتى وجد بعضهم بسبب ذلك؛ كيف يُدخل ابن عباس ولا يُدخل من؟ أبناءنا، فأراد أن يُعلِّمهم بذلك فسألهم سؤالا وقفوا فيه ثم سأل ابن عباس -رضي الله عنهما- فأجاب، فقال له: (لله أبوك، ما عرفت منها إلا الذي تقول).
فالشاهد: أن مجالسة من تستفيد من مجالسته هذا الذي يجب عليك ويجب علي ويجب على كل عاقل، عليك أن تُجالس من تستفيد من مجالسته وتبتعد عن من تتأذى بمجالسته، فأصحاب القيل والقال والثرثرة والكلام الباطل والكلام السيء والعطالة والبطالة وقِلَّة الاعتناء بالوقت والحرص عليه والغيبة والنميمة ليس لهم إلا هذا هؤلاء لا يُحرص على مجالسهم ولا مصاحبتهم ولا السماع لهم؛ وهكذا قد مُثِّل هؤلاء قديما بأنهم أهل جرب،
واحذر معاشرة اللئيم فإنها *** تُعدي كما يُعدي السليمَ الأجربُ

هؤلاء لا يُجالَسون لأنَّ أخلاقهم تنتقل إليك أنت، فـ: "الصاحب ساحب" و "المُجَالس مُجانس" بعد مدة وإذا بك مثله والناس حينئذ يقيسونك به، وأنت إنما تريد الصاحب لوقت الحاجة؛ تستشيره إذا احتجت؛ تستنير برأيه إذا احتجت؛ تستفيد من علمه إذا احتجت؛ تستفيد من حلمه إذا جالسته ورأيته، فإذا كان جاهلا أحمقا بعيدا عن الخير قريبا من الشر يُصيب الخيرَ من غير قصد مُنغرِق أو مُنغمِس في الشر وهو لا يعلم هذا مصيبةٌ مصاحبته،
واحذر مصاحبة اللئيم فإنها *** تُعدي كما يُعدي السليمَ الأجربُ

السَّليم هو الذي يأتي إليه البلاء، أما الأجرب قليل ما ينتفع.
فلذلك يجب علينا جميعا معشر الأحبة أن نحذر من مصاحبة من يُتأذَّى بمصاحبته، فمصاحبة من يُتأذَّى بمصاحبته شُؤم في الدين والدنيا، والناس يقيسونك -كما قلنا قبل قليل- به؛ فلا يعدّونك إلا صاحبا لفلان، وحينئذٍ تقع بك العقوبة بسبب قُربِك من هؤلاء الحمقى.
فإذا لم يكن ناصحًا مشفقًا عليك تستفيدُ منه فلا تَصْحَبْه ولا تَقْتَرِب منه فإنه يضرّك ولا يسرّك، والإشارة بهذا كافية في هذا الباب .
قال: فإن لم يكن؟ قال: (فصَمْتٌ طويل)، من سكت سَلِم ولم يندم، وما يندم إلا من تعجَّل وتكلَّم، ولهذا يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (من كان يُؤمن بالله واليوم الآخر فَلْيَقُل خيرا أو ليصمت)، فطول الصَّمت إذا لم يكن عندك ما تُفيدُ به وتتكلم به نِعْمة وغنيمة، فتتكلَّم متى كان في الكلام نفع لك ولغيرك، وتسكت إذا لم يكن في الكلام نفعٌ لا لك ولا لغيرك، من سكت سلِم ومن تعجَّل ندِم، والصمت محبوب عند كلِّ عاقلٍ، والكلام مطلقًا غيرُ محبوب إلا ما كان بذكر الله وما ينتفع به المرء في دينه ودنياه، ولهذا يقول الشاعر :
وكم ندمت على ما كنت فُهْتُ بِهِ *** وما ندمت على ما لم أكُنْ أَقُلِ

يعني: في الكلام كم يحصل لي الندم؟! أتدبَّر وأتأمَّل بعد أن أتكلم إذا انقَلَبْتُ مِن المجلس فأقول: يا ليتني ما تكلَّمت! أمَّا السكوت فما يندم صاحبه.
ولهذا: في السكوت السلامة، من سكت سَلِم ومَنْ عَجِل وتكلَّم ندِم، ولهذا النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فَلْيَقُل خيرًا أو ليصمت)، إمَّا أن تقول هذا وإلاَّ تسكت، "قل خيرا تغنم أو اسكت تسلم".
فطول الصمت هذا ممَّا يُحمَد في الرجل، ما يتكلَّم إلا بما فيه النَّفع، فيجب أولا على العاقل أن لا يستمع إلا إلى أحسن الكلام، ولا يُدخل من هذا المسموع إلا أجمله وأعلاه وأحلاه إلى سمعه وقلبه، وإذا أدخله فلا يتكلَّم منه إلا بأحسنه وأجمله أيضا وأحلاه، فيُقاس المرءُ بمنطقه؛ إذا تكلَّم يُحكم عليه بالعقل ويُحكم عليه بالحُمق، وهذا الذي قلناه قبل قليل في أول الكلام:
وما المرء إلا حُسن عقلٍ ومَنْطِقٍ *** .................

ومن قال خيرا وُكِل إليه، لهذا جاء في الحديث: (البلاء مُوَكَّلٌ بالمنطق)،

يقول النَّاظمُ:
إنَّ البلاء مُوَكَّل بالمنطقِ *** ...................

(البلاء مُوَكَّل بالمنطق)، فكم من إنسانٍ يقول كلاما يظنُّه طيِّبا فينظر فيه بعد ذلك يقول: يا ليتني لم أقل! ولكن السَّاكت هو السَّالم، فهذا معنى قول القائل:
وكم ندمت على ما كنت فُهْتُ بِهِ *** وما ندمت على ما لم أكُنْ أَقُلِ

فالواجب علينا جميعا معشر الأحبة: أن يكون السَّمع أكثر من الكلام، ماذا يضيرك لو جلستَ في مجلس وأنت تَسْتَمِع وتَتَنَقَّى من الكلام أطايِبَه كما يَتَنَقَّى المرءُ أطايِبَ الثَّمر إذا دخل بستانا أو نزل سوق الفاكهة؛ ما يضرّه من ذلك شيء، الذي يضره هو العجلة.
وما أكثر الكلام في هذه الأيَّام معشر الأحبَّة وخصوصا بيننا نحنُ معاشرَ طلبة العلم، فتخرج الكلمة من المُتكلِّم على وجهٍ وترجع إليه مرَّة أخرى على عشرين وجها لم يقل منها تسعة عشر وجها! كيف زِيدَ فيها ونُقِص منها وحُرِّفَت! ويأتيك بعض الحمقى فيبني على ذلك ويشرح: والمراد كذا والمراد كذا! وهذا كله أصلا ما حصل! فإذا به يتندَّم ويعتذر، وهذا لا أستطيع أن أذكر لكم فيه مثالا إلا مثالا واحدا وسأكتفي به وهو: أجهزة التَّفاصُل الاجتماعي؛ أجهزة التقاطع هذه وسائل التقاطع الاجتماعي، كم وكم وكم وكم وكم وكم رأينا فيها من الاعتذارات من طلبة العلم؛ يقول القول ويتبيَّن أنه كذب، يقول القول ويتبيَّن أنه مُزوَّر، يقول القول ويتبيَّن أنه مُحرَّف على الشَّيخ أو على أخيه، وإذا به كلّ لحظةٍ يحتاج إلى ما؟ إلى الاعتذار.
فإيَّاكم وما يُعتَذَر يا معشر الأحبة، إذا سَلِمْنا ممَّا يُعتذَر منه قلَّ الشّرّ وكَثُر الخير وحصلت الأُلفة وانقطع الطريق على أرباب الفتن.
فيا أحبَّتي: أوصيكم ونفسي بترك مثل هذه الأمور، أنا لا أعرفها ولله الحمد استعمالا واستخداما، ولست بالعاجز إن أردت أن أستخدمها، ولكن عافاني الله منها، وإني لأرى هذا من أعظم نِعم الله عليّ.
فيا ابنَ آدم: "قُلْ خيرًا تَغْنَم أو اسكت تَسْلَم"، ولا تتكلَّم في أمر حتى ترى مخرجك منه قبل أن تدخل فيه، فإنَّ اللِّسان هذا مُشكِل،
إنَّ اللِّسان صغير جِرمه وله *** جُرْم كبير كما قد قيل في المَثَلِ

والذي يكُبّ الناس على وجوههم أو على مناخرهم في النار حصائدُ الألسن، نسأل الله العافية والسلامة.

فالواجب في هذا الباب يا معشر الشَّباب؛ يا معشر الأحبَّة؛ يا معشر الإخوة؛ يا معشر الأبناء أن نعتني بهذا الأمر خصوصا وقد وُجِدت أسباب تُعين على كثرة الكلام غير النَّافع وأوْرَثت الشِّقاق والخصومات والبغضاء والإِحَن بين الإخوة.
يُقرِّبُون القروب =[يقصد الشَّيخ: المجموعة، وقد نطقها الشَّيخ باللُّغة الأعجميَّة] بمائة شخص أو خمسين شخص فينتهي إلى خمسة! هذا مفصول! هذا مطرود! وهذا محجوب! وهذا مُنسحِب هو بنفسه! حتى يرجع الخمسين إلى خمسة! ثم الخمسة والأربعون الذين غادروا؛ اللَّذون غادروا -كلها صحيحة- يخرجون وكل واحد منهم يُنشئ له مجموعة! فبعد ما كان التواصل أصبحت تفاصُلاً وتقاطعا! وهؤلاء يُصنِّفون هؤلاء! وهؤلاء يُصنِّفون هؤلاء! وهؤلاء يتكلَّمون في هؤلاء! وهم أمس وهم سوا؛ إخوة.
بل أنا أقص لكم شيئا: جاءني بعضهم يشتكي من بعض إخوانه في هذه المسائل، قلت: أنت أنت أنت يا فلان تطعن في أخيك؟ قال: لا والله، قلت: فما رأيك تنتظر حتى نأتي به، قال: الأمر إليك، قلت: طيب، فجئت بالآخر فقلت له: يا فلان إن أخاك فلانا يشتكي منك كذا وكذا، هل تنقم عليه في دينه شيئا؟ قال: لا والله، قلت: الحمد لله، إذَنْ: ما أحد ينقِم على الآخر منكما شيئا في دينه، فما تنقم عليه؟ قال: صار كذا وكذا -من هذه الأمور التي في هذه الوسائل- وعلَّق بكذا وكذا ويقصدني بذلك، قلت له: خير خلاص غدا آتي بالآخر، اتصلت عليه فجاءني وقلت لهذا فجاءني وقلت: أخوك يقول كذا وكذا وهذا السبب الذي حصل بينكم فأنا أسألك بالله قصدته؟ قال: والله الذي لا إله غيره ما قصدته بهذا وإنما قصدتُّ شخصا آخر، قصَدَ شخصا آخر، دعك من الآخر الآن ما قضيته دعكم منه، طيِّب، تنافروا وبدؤوا في الشِّقاق والخصومة والفرقة بسبب إيش؟ بسبب هذه الكتابات، ويحصل موقف يشبه ما يكون في نفس الإنسان ويظنّه فيه و ليس فيه أبدًا.
فالواجب معشر الأحبة أن نبتعد عن هذا، هذا أولا، وأن نبتعد عن الموهِم من الكلام الذي يصلح أن يُنزَّل عليك ويُنزَّل على من شابهك فيكون فيمن شابهك ويظنه فيك، فكن في كلامك معدود العبارة وواضح العبارة ولا تخف في الله لومة لائم، وعليك إذا أردت شيئا من هذا أن تبدأ بأخيك وتُكلّمه أو تُراسله.
أما هذه الوسائل فأصبحت شرا عظيما علينا معشر الأحبة، وأنتم تعرفون هذا الباب أكثر مني واشتغلتم به وتدرون كيف الذي يجري بين الإخوة في هذه المواقع لأنكم تعانونها وتعالجونها، فمن قال خيرًا معشر الأحبَّة غنم ومن قال شرا ندم.
فالواجب علينا أن ننطق بالخير أو نسكت، فطول الصمت لا يضرّ الإنسان، والله ما ضرّ الإنسان طول الصمت كما يضرّه الكلام، والله جلّ وعلا قد تجاوز لنا عن ما حدَّثنا به أنفسنا ما لم نتكلم أو نعمل به، فيجب أن يُراعى هذا الجانب ويُبتعد مما يُثير الشّرّ ويُثير الخلاف بين الأحبَّة والإخوة، وما ندم من سكت وإنَّما يندم الذي يتكلم، والمرء إذا علِمَ أنَّه محسوبٌ عليه الكلام لا يتكلَّمُ إلا بحقٍّ جرحًا وتعديلاً وتعليمًا وتدريسًا ونصيحةً وأمرًا بمعروفٍ ونهيًا عن منكرٍ، إذا كان على حقّ فإنه ينصح للخلق بالحقّ، ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم كذلك.
فقيل له: فإن لم يكن؟ قال: (موتٌ عاجلٌ)، إذا ما فيه عقل غريزيّ! ولا حسن أدب! ولا صديق أخ ناصح صالح تستشيره! ولا صمت! ماذا بقي؟! بقيَ الشّرّ، لا عقل! ولا حُسن أدب! ولا حُسن أصحاب وإخوان يُعينونك على الخير! ولا صمت فتسلم! إذَنْ: اجتمع الشّرّ عليك من جميع أبوابه، فقال ابن المبارك –رحمه الله-: (موتٌ عاجلٌ) هذا أحسن، ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نِسْيًا منسِيًّا﴾ ظنّت أنه شرّ.
فالشّاهد: موتُ الإنسان الذي يُخلّصه من الشرور راحة له، لهذا يتمنَّاه الصَّالحون عند الفتن في آخر الزمان، يمرّ بصاحب القبر فيقول: يا ليتني مكانه، أليس كذلك؟ مِن شدَّة ما يرى من الفتن، فالموتُ فيه سلامة لابن آدم إذا وقعت الفتن.
إذا لم يكن المرء على عقلٍ ولا حُسن أدب ولا صديق ناصح صالح يستشيره ولا هو يسكت عن الشر ما عاد بقيَ إلا أنه مُنغمسٌ في الشر، هذا الموت أحسن له لأنه رحمةٌ له من أن يزداد من الشرور والفتن، فنسأل الله العافية والسلامة.

ويا معشر الأحبة: ينبغي أن يُعتنى بهذا، وأنا أقول إن يسّر الله جل وعلا لنا ومتّع في العمر لعلنا نتدارس في كتاب من كتب الآداب ولو ليلة واحدة في الأسبوع، فنحن بحاجة أحبتي إلى كثيرٍ من الأدب منَّا إلى كثير من العلم.
أحبَّتي: واللهِ الناس ليسوا بعبيد لنا، ولا نحن بأسياد لهم، هذا أخوك وأنت أخوه، فإذا عاملتَه بهذه الروح الطيبة فقدَّرت الكبير ورحمتَ الصغير واحترمتَ المساوي وسعيت في إيصال الخير إليهم بكل ما تستطيع من أوجهه وبشَشْت وهشَشْت في وجوههم ملكتَ قلوبهم وأنت ما أعطيتهم شيئا، و (إنكم لن تسعوا الناس بأرزاقكم) مهما كان عندك من المال سيأتي وقت من الأوقات عليك تضيق وتتضجَّر وتتألَّم وتتبرَّم بمن يسألك، لكن حُسن الخلق؛ بسط الوجه هذا ما ينقصك شيئا (إنكم لن تسعوا الناس بأرزاقكم ولكن بأخلاقكم وبسط الوجه).
فالخلق الحَسَن معشر الأحبَّة يبلغ به صاحبه درجة الصَّائم القائم كما في صحيح مسلم، خُلق حسَن يصل به صاحبه درجة الصائم القائم! يا ناس تأملوا في هذا! تأملوا فيه! كم معاناة الثًّوَّام وكم معاناة القُوَّام لليل، وأنت بالخُلق الحسن تصل إلى درجتهم.
الإحسان إلى عباد الله من أعظم الأخلاق، فإذا مشيت مع إخوانك وأبناء المسلمين والمسلمين عمومًا على هذا النحو رأوا منك المحبَّة والحرص في إيصال الخير إليهم أحبُّوك، والقلوب هي بين إصبعين من أصابع الرحمن جلّ وعلا يُقبِل بها على من شاء ويصرفها عن من شاء، ومن أصلح ما بينه وبين الله ألقى الله له المحبة في قلوب العباد، ليس شرطا أن تسعى في قضاء حوائج الناس بالمال وبالدنيا،
← جاهك له زكاة،
← علمك له زكاة،
← جسمك له زكاة تُعين به العاجز الضعيف،
← بسطة الوجه أيضًا تُزكِّي بها ما عندك من الأخلاق،
← العطف على الناس وخصوصا الضعفاء والفقراء والمحاويج والغرباء والمنكسرين هؤلاء أوصانا الله جلّ وعلا ورسوله –صلى الله عليه وسلم- بهم.
فإذا رأى الناس منك ذلك أقبلوا عليك، أما إذا رأوا منك الغلظة والفظاظة والبُعد عن الخير وإيصاله إليهم والتداني والتقارب إلى الشر نفروا منك، ولهذا امتنَّ الله بهذا على رسوله –صلى الله عليه وسلم- فقال: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ولَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ يعني: هذه ثلاث مراتب كلّ واحدة أعلى من الأولى.
أوَّل شيء تعفُو عنهم فيعرف أنك لست بعدوّ له، فإذا عفوتَ عنه تستغفر له يعرف أنك محب له، فإذا قرّبته إليك وأظهرتَ له كأنه القريب المصافي علوتَ في نظره وعزَزْت عنده وارتفعت عنده، فيظنّ أنه أقرب الناس إليك، وهذا ما يُؤتى إلا لمن تُحِبّ، وأنتَ تُحِبّ لهم الخير، فإذا رأى منك ذلك علم أنك ناصح فأوى إليك، وإذا أوى إليك انتفع هو وانتفعت أنت،
وَما المرءُ إلا بإخوانِهِ *** ...............
لا تظنّ أحدا مستغنيا عن إخوانه مهما علا، مهما مهما مهما كان!
وَما المرءُ إلا بإخوانِهِ *** ...............
ما نحنُ إلا بكم بطُلاَّبنا بعد الله وبإخواننا،
وَما المرءُ إلا بإخوانِهِ *** كما كانت الكفُّ بالمعصَمِ فلا خيرَ في الكفِّ مقطوعةً *** ولا خيرَ في السَّاعِدِ الأجْذَمِ

المريض، أخوك ساعدك، ابنك ساعدك، تلميذك ساعدك بهِ تُعطي وبه تمنع وبه تدفع، والمرء يا معشرَ الأحبَّة كما قال الإمام أحمد: (إذا ذهب أقرانُهُ ذلَّ).
فأنت إذا تركت إخوانك جميعًا وانفردت تَعِشْ ذليلاً، فاصبر على هفواتِ إخوانك وقوِّم منهم؛ لابُدَّ،
إذا أنتَ لم تشربْ مِرارًا على القَذى *** ظمئت وأيُّ الناس تصفو مشاربُه إذا كنت في كلِّ الأمور معاتبًا *** صديقك لم تلْقَ الذي لا تُعاتبه فِعِشْ واحدًا أو صِلْ أخاك فإنَّهُ *** مُقارفُ ذنبٍ مرةً ومجانبُه

إذا رأيتَ منه شيئا سيِّئًا مرة فاذكر الأشياء الجميلة له مرَّات، واعطف عليه، وإذا كنت محبا صادقا إهمس في أذنه وانصح له؛ هذا ينتفع.
هذا كله هو الأصل، أمَّا الاستثناءات فنحن الآن لا ندخل فيها، ولكن المقصد: أنَّ النافع ينتفع به الناس، ولا يفرّ منه إلا من خبُثَت طويَّته، نسأل الله العافية والسلامة.
وأسأل الله جلّ وعلا أن يرزقني وإيَّاكم جميعًا أيها الأحبة العلمَ النافع والعملَ الصالح، وأن يجعلنا جميعا ممن يقول ويفعل وينتفع إنَّهُ جوادٌ كريمٌ.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.اهـ

ــــــ ❁ ❁ــــــ❁ ❁ ــــــ

 
وأبو عبد الرحمن أسامة
27 / جمادى الآخرة / 1438هـ

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين